عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
406
اللباب في علوم الكتاب
فلا نسلّم أنّ « فسقا » في الآية الأخرى مبيّن للفسق في هذه الآية ، فإن هذا ليس من باب المجمل والمبيّن « 1 » ؛ لأن له شروطا ليست موجودة هنا . وهذا الذي قاله مشتمل من كلام الزّمخشري ، فإنه قال « 2 » : فإن قلت : قد ذهب جماعة من المجتهدين إلى جواز أكل ما لم يذكر اسم اللّه عليه بنسيان أو عمد . قلت : قد تأوّله هؤلاء بالميتة ، وبما ذكر غير اسم اللّه عليه ؛ كقوله : « أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ » فهذا أصل ما ذكره ابن الخطيب وتبجّح به والضّمير في « أنّه » يحتمل أن يعود على الأكل المدلول عليه ب « لا تأكلوا » ، وأن يعود على الموصول ، وفيه حينئذ تأويلان : أن تجعل الموصول نفس الفسق مبالغة . أو على حذف مضاف ، أي : « وإنّ أكله لفسق » أو على الذكر المفهوم من قوله : « ذكر » . قال أبو حيّان « 3 » : « والضّمير في « إنّه » : يعود على الأكل ، قاله الزّمخشري ، واقتصر عليه » . قال شهاب الدّين « 4 » - رحمه اللّه - : لم يقتصر عليه بل ذكر : أنّه يجوز أن يعود على الموصول ، وذكر التّأويلين المتقدّمين ، فقال : « الضّمير راجع على مصدر الفعل الدّاخل عليه حرف النّهي ، بمعنى : وإنّ الأكل منه لفسق ، أو على الموصول على أنّ أكله لفسق ، أو جعل ما لم يذكر اسم اللّه عليه في نفسه فسقا » . قوله : « وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم » من المشركين ليخاصموا محمّدا وأصحابه في أكل الميتة . وقال عكرمة : المراد بالشّياطين : مردة المجوس ، ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش ، وذلك لأنّه لما نزل تحريم الميتة ، سمعه المجوس من أهل فارس ، فكتبوا إلى قريش - وكانت بينهم مكاتبة - أنّ محمّدا وأصحابه يزعمون أنّهم يتبعون أمر اللّه - تعالى - ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلالا ، وما يذبحه اللّه حرام فوقع في نفس ناس من المسلمين من ذلك ، فأنزل اللّه هذه الآية الكريمة .
--> ( 1 ) المبين لغة : الموضح ، وفي الاصطلاح له معنيان : الأول ما احتاج إلى البيان ، وقد ورد عليه بيانه . الثاني : الخطاب المبتدأ المستغني عن البيان . ينظر : المصباح المنير ( 1 / 70 ) ، المعتمد ( 1 / 319 ) ، المحصول ( 1 - 3 / 227 ) ، الإحكام للآمدي ( 2 / 178 ) ، المستصفى ( 1 / 345 ) ، شرح تنقيح الفصول ص ( 38 ) ، المنهاج بشرح نهاية السول ( 2 / 524 ) ، شرح الكوكب ( 3 / 437 ) ، إرشاد الفحول ص ( 167 ) ، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص ( 266 ) . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 61 - 62 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 169 - 170 . ( 4 ) ينظر : الإملاء 1 / 260 .